سامر شقير: سوق الائتمان الخاص يهتز.. لكن الانهيار لم يبدأ بعد
في ظل التوسع السريع في أسواق المال العالمية، يبرز سوق الائتمان الخاص كأحد أهم التحولات الهيكلية في النظام المالي، حيث يقترب حجمه من 1.8 تريليون دولار عالميًّا، مع توقعات بالوصول إلى نحو 2 تريليون دولار خلال عام 2026، وربما إلى 3 تريليونات في السنوات القليلة المقبلة، هذا النمو ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لتراجع دور البنوك التقليدية في الإقراض، خاصةً بعد الأزمة المالية العالمية، واتجاه الشركات نحو مصادر تمويل أكثر مرونة خارج النظام المصرفي.
لكن في خضم هذا الزخم، تبرز ضرورة التمييز بين الحقائق والأرقام المبالغ فيها، فبينما يُروَّج أحيانًا لانهيارات ضخمة وخسائر بمئات المليارات في شركات إدارة الأصول الكبرى مثل Blackstone وKKR وApollo Global Management، لا توجد بيانات موثوقة تدعم خسائر جماعية بحجم 265 مليار دولار كما يُشاع نعم، هناك تقلبات وضغوط، لكن الحديث عن أزمة نظامية بهذا الحجم لا يزال مبالغًا فيه.
الأمر ذاته ينطبق على بعض الروايات حول انهيارات مؤسسات أو عجز ضمانات بمليارات الدولارات، وهي ادعاءات تفتقر إلى توثيق واضح، السوق يمر بمرحلة اختبار، لكنه لم يصل إلى نقطة الانهيار الشامل، في المقابل، هناك مؤشرات أكثر واقعية تستحق الانتباه، أبرزها انكشاف البنوك على هذا القطاع، والذي تشير تقديرات Moody's إلى أنه يتراوح بين 200 و300 مليار دولار، وهو رقم يعكس ترابطًا متزايدًا بين النظام المصرفي والائتمان الخاص، وقد يشكل مصدر قلق في حال تفاقمت الضغوط.
من ناحية العوائد، يُنظر إلى الائتمان الخاص كخيار جذاب، حيث تتراوح العوائد عادة بين 8% و12% سنويًّا، وقد تصل إلى مستويات أعلى في بعض الحالات، مثل 13%، لكنها ليست القاعدة العامة.
هذه العوائد تأتي مقابل مخاطر واضحة، أبرزها ضعف السيولة، إذ تُقفل الاستثمارات عادة لفترات تتراوح بين 5 و7 سنوات، ما يجعل الخروج السريع في أوقات الأزمات أمرًا معقدًا.
فيما يتعلق بدور البنوك، من الصحيح أن حصتها في الإقراض تراجعت على مدى العقود الماضية، لكن الأرقام الدقيقة المتداولة، مثل الانخفاض من 60% إلى 35%، تظل تقديرات تقريبية تختلف حسب نوع السوق والقطاع، الأهم من ذلك هو الاتجاه العام، وهو انتقال متسارع للتمويل نحو مؤسسات غير مصرفية، ما يُعيد تشكيل خريطة المخاطر في النظام المالي العالمي.
كما يجب التعامل بحذر مع بعض الأخبار المتعلقة بانهيار شركات بعينها، مثل تلك التي يُقال إنها انهارت في الولايات المتحدة، حيث تشير البيانات إلى ضغوط مالية أو إعادة هيكلة، وليس انهيارات نظامية شاملة.
كذلك، فإنَّ التراجع اليومي في أسهم البنوك بنسبة تقارب 3% إلى 4% في فترات التوتر يظل ضمن النطاق الطبيعي لتقلبات الأسواق، ولا يعكس بالضرورة أزمة ممتدة.
أمَّا على صعيد الاستثمارات السيادية والتكنولوجية، فإن بعض الأرقام المتداولة حول استثمارات بمليارات الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تدقيق، إذ لا تتوفر أدلة مؤكدة على بعض هذه الصفقات بالحجم المذكور.
وهذا يُعيدنا إلى نقطة جوهرية، في بيئة استثمارية معقدة، تُصبح دقة المعلومة أهم من سرعتها.
في تقديري، ما نشهده اليوم ليس انهيارًا، بل إعادة تسعير للمخاطر، القيود التي فرضتها بعض الصناديق على السحب، والتي تُعرف بآليات "gating"، لا تعني أزمة سيولة شاملة، بل تعكس طبيعة هذا النوع من الأصول، الذي لا يُبنى على السيولة الفورية، بل على استثمارات طويلة الأجل.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الفرص واستمرار توسع السوق نحو الإقراض المدعوم بالأصول والعقارات، إلى جانب الشراكات بين البنوك والمؤسسات الاستثمارية، مثل الصفقات التي قد تصل إلى عشرات المليارات، يعكس ثقة مستمرة في هذا القطاع لكن هذه الثقة يجب أن تكون مبنية على فهم عميق، لا على سرديات مبالغ فيها.
الرسالة الأساسية للمستثمرين واضحة: الائتمان الخاص ليس فقاعة بالضرورة، لكنه أيضًا ليس ملاذًا آمنًا مطلقًا، هو أداة استثمارية قوية، تتطلب انضباطًا، وصبرًا، وقدرة على تحليل المخاطر بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، في عالم تتسارع فيه المعلومات، يصبح التمييز بين الحقيقة والمبالغة هو الميزة التنافسية الأهم.













