الخميس 12 مارس 2026 06:35 مـ 23 رمضان 1447 هـ
موقع هدف
رئيس مجلس الأمناء مجدي صادق رئيس التحرير محمود معروف
×

سامر شقير: صمود الصين العجيب.. كيف حوَّلت بكين أزمة الطاقة العالمية إلى فرصة اقتصادية؟

الخميس 12 مارس 2026 02:41 مـ 23 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في عالم يتأرجح تحت وطأة الصراعات الجيوسياسية والتوترات العسكرية، تبرز بعض الاقتصادات كقلاع قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع المتغيرات الدولية.

ومع اندلاع الحرب في إيران أواخر فبراير 2026، وجدت الأسواق العالمية نفسها أمام موجة جديدة من الاضطرابات الحادة، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ وتزايدت المخاوف من عودة التضخم العالمي وتعطل سلاسل الإمداد.

وبينما كانت التوقعات تشير إلى أن الصين ستكون من أكثر الاقتصادات عرضة للخطر باعتبارها أكبر مستورد للوقود الأحفوري في العالم، حدث العكس تقريبًا، فقد أظهرت بكين مرونة لافتة، ما دفع العديد من المستثمرين إلى إعادة النظر في دور الأصول الصينية داخل محافظهم الاستثمارية.

خلال الأسابيع الأولى من التصعيد العسكري في المنطقة، شهدت أسواق الطاقة تقلبات حادة، إذ ارتفعت أسعار النفط بين 20% و50% خلال فترة قصيرة، مع قفزات مؤقتة اقتربت من مستوى 120 دولارًا للبرميل.

هذا الارتفاع السريع أعاد إلى الأذهان صدمات الطاقة التاريخية التي كانت كفيلة بإحداث موجات تضخمية واسعة النطاق ومع تصاعد التوترات حول مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط العالمية، بدأ المستثمرون يتجهون نحو الأصول الدفاعية مثل الدولار والذهب والسندات الحكومية، إلا أن المشهد لم يكُن متشابهًا في كل مكان، إذ بدت بعض الأسواق أكثر هشاشة من غيرها.

في آسيا، تعرَّضت عدة بورصات لضغوط قوية مع اندلاع الأزمة فقد سجلت الأسواق اليابانية تراجعات ملحوظة، بينما شهدت أسواق أخرى في المنطقة تقلبات حادة نتيجة المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي.

أما في أوروبا، فقد تأثرت الأسواق أيضًا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والقلق من تباطؤ النشاط الصناعي، بينما تراجعت الأسهم الأمريكية بشكل محدود نسبيًّا مقارنة ببقية الأسواق الكبرى.

هذه التراجعات المتزامنة عكست حجم القلق العالمي من أن تؤدي أزمة الطاقة الجديدة إلى تأخير خطط البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة، وهو ما كان المستثمرون ينتظرونه منذ أشهر.
وسط هذه الفوضى، ظهرت الصين كاستثناء لافت للنظر، فعلى الرغم من اعتمادها التاريخي على واردات الطاقة، لم تتعرض أسواقها المالية للضغوط نفسها التي ضربت العديد من الاقتصادات الكبرى.

ويرى رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ هذا الاستقرار النسبي لم يكُن وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد انتهجتها بكين لتقليل تعرض اقتصادها للصدمات الخارجية، وخاصة تلك المرتبطة بأسواق الطاقة.

يقول سامر شقير: إنَّ الصين خلال العقدين الماضيين عملت على بناء منظومة اقتصادية أكثر تنوعًا واستقلالية، من خلال الاستثمار المكثف في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الصناعية، فقد ضخت الحكومة الصينية مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما أصبحت الشركات الصينية لاعبًا رئيسيًّا في سلاسل التوريد العالمية الخاصة بمكونات الطاقة النظيفة.

وفي الوقت نفسه، تسارعت وتيرة التحول نحو المركبات الكهربائية داخل السوق الصينية، ما قلل تدريجيًّا من الاعتماد على الوقود الأحفوري في قطاع النقل، وهو أحد أكبر مصادر الطلب على النفط.

هذا التحول الهيكلي، بحسب شقير، منح الاقتصاد الصيني قدرة أكبر على امتصاص صدمات أسعار الطاقة، فبينما تعاني العديد من الاقتصادات الصناعية من ارتفاع تكاليف الإنتاج مع صعود أسعار النفط، تمتلك الصين الآن قاعدة متنامية من مصادر الطاقة البديلة التي تخفف من حدة هذه الضغوط.
كما أنَّ سيطرة الشركات الصينية على أجزاء كبيرة من سلاسل التوريد العالمية للطاقة النظيفة جعلت بكين في موقع قوة داخل الاقتصاد العالمي الجديد الذي يتشكل حول التحول الطاقي.

ومن زاوية الأسواق المالية، يلاحظ شقير أنَّ المستثمرين الدوليين بدأوا ينظرون إلى الأصول الصينية بشكل مختلف في ظل البيئة العالمية الحالية، فعلى الرغم من التوترات الجيوسياسية وارتفاع الدولار، حافظت العملة الصينية على قدر من الاستقرار النسبي مقارنة بالعديد من العملات الأخرى.

كما أن سوق السندات الحكومية الصينية ظلت أقل تقلبًا من نظيراتها في بعض الاقتصادات الكبرى، وهو ما يعكس طبيعة السياسات النقدية المختلفة التي يتبعها البنك المركزي الصيني.

وفي الوقت الذي تناقش فيه الولايات المتحدة إمكانية استخدام احتياطياتها الاستراتيجية من النفط لتهدئة الأسواق، يظل القلق قائمًا بشأن مستقبل إمدادات الطاقة العالمية، خصوصًا إذا استمر التصعيد في منطقة الخليج، فتعطل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز قد يؤدي إلى اضطرابات أكبر في الأسواق، وهو سيناريو يدرك المستثمرون خطورته جيدًا.

مع ذلك، يرى سامر شقير، أنَّ هذه التحولات قد تفتح الباب أمام فرص استثمارية جديدة، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الصناعية داخل الصين، فالعالم يشهد حاليًا تسارعًا في التحول نحو مصادر الطاقة البديلة، وهو اتجاه قد يمنح الشركات الصينية ميزة تنافسية قوية في السنوات المقبلة.

ويؤكد شقير، أنَّ الأزمات الجيوسياسية غالبًا ما تُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، وأنَّ الدول التي تستثمر في المستقبل بدلًا من الاكتفاء برد الفعل هي التي تخرج أقوى من هذه الأزمات ومن هذا المنطلق، يرى أن التجربة الصينية تُقدِّم مثالًا واضحًا على كيفية تحويل التحديات إلى فرص استراتيجية طويلة المدى.

في النهاية، يخلص سامر شقير، إلى أنَّ صمود الصين في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية يحمل رسالة مهمة للمستثمرين حول العالم، فبينما يركِّز الكثيرون على المخاطر الآنية، تكمُن الفرص الحقيقية غالبًا في الاقتصادات التي تبني نماذج تنموية أكثر مرونة واستدامة.

وفي عالم تتزايد فيه الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية، قد يصبح التنويع الجغرافي للاستثمارات – وخاصة باتجاه الأسواق التي تقود التحول التكنولوجي والطاقة النظيفة – أحد أهم مفاتيح النجاح الاستثماري في السنوات المقبلة.

موضوعات متعلقة