السبت 14 مارس 2026 04:52 مـ 25 رمضان 1447 هـ
موقع هدف
رئيس مجلس الأمناء مجدي صادق رئيس التحرير محمود معروف
×

سامر شقير: هل انتهى عصر المال الرخيص؟ اليابان تسحب ”صراف العالم” من الأسواق

السبت 14 مارس 2026 01:18 مـ 25 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في عالم المال، هناك ظواهر تبدو تقنية ومعقدة في ظاهرها، لكنها في الواقع تُشكِّل العمود الفقري لحركة السيولة في الاقتصاد العالمي، واحدة من هذه الظواهر هي صفقة الكاري تريد اليابانية التي لعبت لعقود دورًا حاسمًا في تمويل الاستثمارات العالمية، اليوم، ومع التحولات المتسارعة في السياسة النقدية اليابانية، يبدو أن هذا الفصل يقترب من نهايته، وهو ما قد يترك آثارًا عميقة على الأسواق في عام 2026 وما بعده.

في هذا السياق، حذَّر المُحلل المالي John Polonis من أن اليابان بدأت تفقد دورها التاريخي باعتبارها "صراف آلة العالم" أو المصدر الأكبر للسيولة الرخيصة التي اعتمدت عليها الأسواق الدولية لسنوات طويلة، فمع بدء انحسار صفقة الكاري تريد المرتبطة بالين الياباني، تتغيَّر قواعد اللعبة المالية العالمية، ويصبح التمويل أكثر تكلفة، بينما تزداد التقلبات في مختلف الأصول.

لفهم هذه التحولات، لا بد من العودة إلى جوهر ما يُعرف بصفقة Yen Carry Trade. هذه الاستراتيجية الاستثمارية اعتمدت ببساطة على فارق أسعار الفائدة بين اليابان وبقية الاقتصادات الكبرى، فعلى مدى عقود، حافظ Bank of Japan على سياسات نقدية شديدة التيسير، مع أسعار فائدة قريبة من الصفر أو حتى سلبية في بعض الفترات، نتيجة لذلك، أصبح الين الياباني العملة المفضلة للاقتراض الرخيص.

المستثمرون حول العالم كانوا يقترضون الين بفوائد منخفضة للغاية، ثم يحولون هذه الأموال إلى عملات أخرى للاستثمار في أصول ذات عوائد أعلى، مثل الأسهم الأمريكية أو السندات في الأسواق الناشئة أو حتى العقارات.

هذه العملية البسيطة ظاهريًّا ضخت مئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد العالمي، وأسهمت في دعم ارتفاعات الأسواق خلال السنوات الماضية.

لكن المعادلة بدأت تتغيَّر تدريجيًّا منذ عامي 2024 و2025، عندما بدأ بنك اليابان الابتعاد عن سياسته النقدية فائقة التيسير، ومع ارتفاع التضخم المحلي وضغوط الاقتصاد العالمي، اتجه البنك إلى رفع أسعار الفائدة تدريجيًّا وبدء عملية تطبيع السياسة النقدية، وهذا التَّحوُّل جعل الاقتراض بالين أقل جاذبية، ورفع تكلفة التمويل التي اعتاد عليها المستثمرون.

عندما يحدث ذلك، تبدأ مرحلة تُعرف في الأسواق باسم "فك صفقات الكاري تريد" أو Unwinding. في هذه المرحلة، يقوم المستثمرون ببيع الأصول الأجنبية التي اشتروها سابقًا باستخدام التمويل الرخيص، ثم يعيدون الأموال إلى اليابان لسداد القروض المقومة بالين.

هذه العملية تؤدي إلى نتيجتين متزامنتين: ارتفاع قيمة الين نسبيًّا، وانخفاض الطلب على الأصول العالمية التي كانت تموَّل عبر هذه الصفقات.

وهنا تبدأ التداعيات الفعلية، أولًا، يمكن أن تتعرَّض الأسواق المالية العالمية لضغوط بيع، خاصة في الأسهم الأمريكية التي كانت أحد أكبر المستفيدين من السيولة العالمية، كما أن ارتفاع تكلفة التمويل قد يدفع المستثمرين إلى تقليل المخاطر في محافظهم الاستثمارية.

بعض المحللين، مثل المستثمر الشهير Michael Burry، حذروا بالفعل من أن تفكيك صفقات الكاري تريد قد يتحوَّل إلى أحد مصادر التقلب الرئيسية في الأسواق خلال الفترة المقبلة، فالتغيرات في تدفقات رأس المال العالمية غالبًا ما تؤدي إلى تحركات مفاجئة في أسعار الأسهم والسندات والعملات.

أما داخل اليابان نفسها، فالوضع ليس بالبساطة التي قد يتصورها البعض، فارتفاع قيمة الين قد يضعف القدرة التنافسية للصادرات اليابانية، وهو أمر حساس للغاية لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الشركات الصناعية الكبرى، كما أن ارتفاع تكلفة الواردات، خاصة الطاقة والمواد الخام، قد يزيد من الضغوط التضخمية في الداخل.

ومن الأمثلة التي تعكس التأثيرات الواقعية لهذه التحولات، ما أشار إليه بعض المستهلكين في الأسواق العالمية من ارتفاع ملحوظ في أسعار السيارات اليابانية، بما في ذلك سيارات Toyota Land Cruiser التي وصلت أسعارها في بعض الأسواق إلى نحو 73 ألف دولار، هذه الزيادة تعكس جزئيًّا التحولات في أسعار الصرف وتكاليف الإنتاج.

في الوقت نفسه، تتزامن هذه التحولات مع قرارات مالية كبيرة داخل اليابان، فقد وافقت الحكومة اليابانية على ميزانية قياسية للسنة المالية 2026 تبلغ نحو 122.3 تريليون ين، أي ما يقارب 785 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخ البلاد.

هذه الميزانية تتضمن زيادات كبيرة في الإنفاق الدفاعي والرعاية الاجتماعية، خصوصًا في ظل التحديات الديموغرافية المرتبطة بتقدم السكان في العمر.

رئيسة الوزراء اليابانية Sanae Takaichi دافعت عن هذا التوسع في الإنفاق باعتباره ضروريًّا لدعم النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، لكنها في الوقت ذاته تعهدت بالعمل على ضبط الدين العام الضخم الذي يعد من بين الأكبر عالميًّا مقارنة بحجم الاقتصاد.

ومع ذلك، فإن تمويل جزء كبير من هذه الميزانية عبر إصدار سندات جديدة يثير قلق المستثمرين، خصوصًا في بيئة عالمية تشهد ارتفاعًا في العوائد وتراجعًا في السيولة الرخيصة التي كانت متاحة سابقًا.

من منظور استثماري، ما يحدث اليوم ليس مجرد تحول تقني في سياسة نقدية، بل قد يكون بداية نهاية عصر التمويل الرخيص الذي استفادت منه الأسواق العالمية منذ الأزمة المالية عام 2008، فاليابان، التي كانت لسنوات طويلة مصدرًا رئيسيًّا للسيولة، قد تتحوَّل الآن إلى عامل ضغط على النظام المالي العالمي.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحن أمام أزمة مالية جديدة، أم مجرد إعادة توازن طبيعية بعد سنوات من السياسات غير التقليدية؟ الإجابة لا تزال غير واضحة، لكن المؤكد أنَّ عام 2026 قد يكون نقطة تحوُّل مهمة في كيفية تدفق رؤوس الأموال حول العالم.

وفي عالم الاستثمار، عندما تتغيَّر مصادر السيولة، تتغيَّر معها موازين القوة في الأسواق، لذلك، فإن فهم ما يحدث في اليابان اليوم قد يكون مفتاح قراءة المرحلة المقبلة من الاقتصاد العالمي

موضوعات متعلقة