سامر شقير: صدمة النفط 2026 تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية تحت ضغط الحرب
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن القفزة الحادة في أسعار النفط خلال تعاملات أمس الاثنين، تعكس هشاشة عميقة في النظام الطاقي العالمي، بالتزامن مع تصاعد النزاع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وأوضح شقير أن الأسواق عادت سريعاً إلى قاعدتها الأساسية، مضيفاً: “الجيوسياسية أصبحت المحرك الأول للأسعار… بينما يأتي الاقتصاد في المرتبة الثانية”.
وأشار إلى أن التقارير الصادرة عن صحيفة The New York Times لم تكن مجرد متابعة إخبارية، بل حملت مؤشرات واضحة على تصعيد قد يهدد إمدادات الطاقة الحيوية، خاصة مع تصريحات مسؤولين عسكريين أمريكيين حول احتمالات توسع المواجهة.
وأضاف شقير أن الصور الواردة من مناطق النزاع، والتي أظهرت دماراً واسعاً في البنية التحتية، تعكس خطورة المرحلة، وتؤكد أن ممرات الطاقة الاستراتيجية باتت تحت تهديد مباشر.
لحظة التحول.. من توتر إلى صدمة عرض كاملة
وأكد سامر شقير أن ما يشهده السوق حالياً يتجاوز كونه توتراً جيوسياسياً تقليدياً، ليصل إلى “صدمة عرض مكتملة الأركان”، موضحاً أن عدة عوامل اجتمعت في وقت واحد لتدفع الأسعار بهذا الشكل الحاد.
وأوضح شقير أن التهديد المباشر لـ مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، يمثل أخطر هذه العوامل، إلى جانب احتمالات استهداف المنشآت النفطية في الخليج، وتعطل جزء من الصادرات الإيرانية.
كما أشار شقير إلى أن ارتفاع أقساط التأمين البحري على ناقلات النفط يعكس حالة القلق الشديد في الأسواق، مضيفاً:“نحن لم نعد أمام سوق تسعّر العرض والطلب… بل سوق تسعّر المخاطر”.
وفي هذا السياق، لفت رائد الاستثمار إلى أن خام برنت تجاوز مستوى 95 دولاراً للبرميل، بينما اقترب خام غرب تكساس من 92 دولاراً، في تحرك سريع يعكس دخول الأسواق مرحلة “تسعير الخطر”.
لماذا قفز النفط؟ قراءة تحليلية في محركات السوق
وفي تفسيره لهذه القفزة، أوضح سامر شقير أن السوق يتحرك حالياً تحت تأثير ثلاث قوى رئيسية.
أول هذه القوى هو اختناق الإمدادات، حيث أشار إلى أن السيناريوهات الأكثر تشاؤماً تتحدث عن فقدان ما بين 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً من الإمدادات العالمية، وهو رقم يعادل صدمات تاريخية كبرى في سوق النفط.
أما العامل الثاني، فهو إعادة تسعير المخاطر، حيث شهدت الأسواق تحركات حادة تمثلت في صعود أسهم شركات الطاقة الكبرى مثل ExxonMobil وChevron وShell، مقابل تراجع ملحوظ في قطاعات الطيران والنقل واللوجستيات، مع انتقال السيولة نحو قطاع الطاقة والسلع الأساسية.
أما العامل الثالث، فهو ما وصفه بـ”عودة الدولار الجيوسياسي”، حيث ارتفع الدولار الأمريكي بالتزامن مع زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن، في مؤشر واضح على تحول المستثمرين نحو الأصول الدفاعية.
التأثير العالمي: إعادة توزيع الخسائر والمكاسب
وفيما يتعلق بتداعيات هذه الأزمة، أكد سامر شقير أن العالم يشهد حالياً إعادة توزيع واضحة للأعباء الاقتصادية.
وأوضح شقير أن الدول المستوردة الكبرى، مثل أوروبا والصين، تواجه ضغوطاً تضخمية متزايدة، في حين تعاني اقتصادات مثل مصر والهند وباكستان من ارتفاع حاد في فاتورة الطاقة، وهو ما قد ينعكس سلباً على معدلات النمو.
في المقابل، أشار شقير إلى أن الدول المنتجة، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تستفيد على المدى القصير من ارتفاع الأسعار، لكنه حذر من أن أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير قد يؤدي إلى خسائر واسعة النطاق.
وأضاف أن الأسواق الناشئة اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على امتصاص صدمة الطاقة.
رؤية استراتيجية: النفط يتحول إلى أداة جيوسياسية
وشدد سامر شقير على أن ما يحدث لا يمكن اعتباره موجة مؤقتة، بل يمثل تحولاً هيكلياً في طبيعة سوق الطاقة العالمية.
وقال إن النفط لم يعد مجرد سلعة اقتصادية… بل أصبح أداة جيوسياسية تُسعّر بالمخاطر”.
وأوضح أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، مع استمرار الضغوط التضخمية، وتسارع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
خريطة الفرص الاستثمارية في ظل الأزمة
وفيما يتعلق بالفرص، أشار سامر شقير إلى أن الأزمات الكبرى تفتح المجال أمام استثمارات نوعية، موضحاً أن قطاع الطاقة يأتي في مقدمة المستفيدين، سواء من خلال شركات النفط الكبرى أو شركات الخدمات النفطية مثل Halliburton وBaker Hughes.
كما لفت شقير إلى أهمية الاستثمار في الطاقة البديلة، خاصة الطاقة الشمسية والنووية، باعتبارها حلولاً استراتيجية طويلة الأجل.
وفي إطار التحوط، أشار إلى الذهب كخيار تقليدي، إلى جانب البيتكوين كأصل عالي المخاطر يرتبط بالأزمات الجيوسياسية.
في المقابل، حذر من الاستثمار في القطاعات الأكثر تأثراً، مثل الطيران، بما في ذلك شركات مثل Delta Air Lines وLufthansa، إلى جانب النقل والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.
وأكد أن التنويع الجغرافي، خاصة خارج مناطق التوتر، أصبح ضرورة استراتيجية للمستثمرين.
السيناريوهات المحتملة: كيف سيتحرك النفط؟
وفي استشرافه للمستقبل، أوضح سامر شقير أن السوق يقف أمام سيناريوهين رئيسيين.
السيناريو الأول هو استمرار التصعيد العسكري، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 110 و120 دولاراً للبرميل، مع تصاعد الاختناقات اللوجستية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في حدوث تهدئة دبلوماسية مفاجئة، قد تؤدي إلى تراجع سريع للأسعار نحو مستوى 80 دولاراً، مع اختفاء علاوة المخاطر.
الجيوسياسية هي اللاعب الأكبر
واختتم رائد الاستثمار سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة جديدة، قائلاً: “لم يعد الاقتصاد وحده هو من يحرك الأسواق… الجيوسياسية أصبحت أكبر بنك مركزي في العالم”.
وأضاف أن الفرصة الحقيقية للمستثمرين لا تكمن في متابعة الأخبار، بل في استباق تأثيرها على حركة رأس المال.













