سامر شقير يكتب: مايو كلينيك تفتح جبهة جديدة في سباق أدوية التخسيس
لم يعد مستقبل سوق أدوية السمنة مرتبطًا فقط بقدرة العقاقير على خفض الوزن، بل بات مرهونًا أيضًا بمدى فهم اختلاف استجابة المرضى للعلاج، وهنا تبرز دراسة جديدة من مايو كلينيك تفتح نافذة استثمارية محتملة، بعدما أشارت إلى تفاعل بين العلاج الهرموني لانقطاع الطمث وأدوية الإنكريتين، بما قد يعيد تشكيل المنافسة وتخصيص رأس المال في قطاع تهيمن عليه نوفو نورديسك وإيلي ليلي.
أرى في الدراسة التي قدمتها الدكتورة ريجينا كاستانيدا من مايو كلينيك فلوريدا إشارة مهمة، لكنها لا تزال غير حاسمة، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في اكتشاف علاج جديد، وإنما في توسيع فهم استجابة النساء في منتصف العمر لعلاجات السمنة، وما قد يترتب على ذلك من اختلاف في مدة الاستخدام والالتزام بالعلاج والقيمة العمرية للمريض، وتزداد أهمية هذه النتائج لأن النساء بعد سن الخامسة والأربعين يمثلن شريحة كبيرة من مستخدمات أدوية GLP-1 في الولايات المتحدة.
دلالات اقتصادية تتجاوز فقدان الوزن
اعتمدت الدراسة على مراجعة رجعية للسجلات الصحية الإلكترونية لنساء يبلغن 45 عامًا فأكثر ويعانين زيادة الوزن أو السمنة، مع مقارنة مستخدمات العلاج الهرموني بغير المستخدمات بعد موازنة العوامل باستخدام منهجية المطابقة وفق درجة الميل (propensity score matching).
وبالنسبة إلى سيماغلوتايد، ظهر الفرق بوضوح بعد تسعة أشهر، وبلغ متوسط فقدان الوزن 11.6% مقابل 9.7% بعد 15 شهرًا، ثم 11.9% مقابل 10.9% عند آخر متابعة، مع ارتفاع نسبة النساء اللاتي حققن فقدانًا قدره 10% أو 25% من الوزن، أما التيرزيباتيد، فكان الفرق أضعف وأقل استدامة من الناحية الإحصائية.
في تقديري، تعكس هذه النتائج تحولًا من نموذج العلاج الواحد للجميع إلى مقاربات أكثر تخصيصًا، وتسيطر نوفو نورديسك وإيلي ليلي على معظم إيرادات القطاع، فيما رفعت الأخيرة توقعات إيراداتها لعام 2026 إلى نطاق 91-92 مليار دولار، مدفوعة بنمو منتجات التيرزيباتيد، وقد تكون قدرة الشركات على تحسين النتائج لدى شرائح ديموغرافية واسعة عاملًا مؤثرًا في الاحتفاظ بالمرضى على المدى الطويل، وهي نقطة تهم المستثمرين المؤسسيين أكثر من التحسن الهامشي في نسب فقدان الوزن.
بين الفرصة الاستثمارية ومخاطر المبالغة
لا أتوقع أن يظهر التأثير الأكبر فورًا في المبيعات، بل ربما يبدأ من سلوك الأطباء والمرضى، فاحتمال ارتباط العلاج الهرموني، الموصوف أصلًا لأعراض انقطاع الطمث، بنتائج أيضية أفضل مع سيماغلوتايد قد يدفع الأطباء إلى مناقشة العلاج ضمن مقاربة صحية أشمل، لكن الباحثين أكدوا أن العلاج الهرموني ليس وسيلة لإنقاص الوزن، وإنما قد يقدم فائدة إضافية للنساء المناسبات طبيًّا لاستخدامه.
وتظل هناك مخاطر في تفسير البيانات الرصدية؛ إذ أشارت الدكتورة جيسيكا دنكان إلى احتمال وجود ما يعرف بتأثير المستخدم الأكثر صحة، بمعنى أن النساء اللاتي يستخدمن العلاج الهرموني قد يكن أكثر التزامًا بالرعاية الصحية عموما، وهنا تبرز أهمية ما ناقشه دانيال كانيمان في كتابه «التفكير السريع والبطيء» بشأن الخلط بين الارتباط والسببية، لذلك يحتاج المستثمر إلى التفكير التحليلي المتأني وانتظار التجارب العشوائية المحكمة قبل إعادة تسعير الأصول بصورة كبيرة.
وأرى فرصًا أمام الشركات التي تجمع بين أدوية السمنة وصحة المرأة، سواء عبر الشراكات أو تطوير تركيبات مشتركة مستقبلًا، كما أن تأكد التحسن في النتائج القلبية الأيضية قد يعزز مبررات التغطية التأمينية طويلة الأمد.
المنافسة والفرص الخليجية
تبدو البيانات أكثر دعمًا لسيماغلوتايد التابع لنوفو نورديسك مقارنة بالتيرزيباتيد في العينة محل الدراسة، رغم تصدر إيلي ليلي السوق حاليًّا من حيث الحصة، لكن أي تحسن في فعالية العلاجات لدى النساء في منتصف العمر قد يدعم القطاع بأكمله، بما يشمل الأدوية الفموية الناشئة.
وأفضل توجيه الاستثمارات نحو الشركات التي تمتلك مرونة تصنيعية وقدرة على إنتاج بيانات واقعية متنوعة، مع مراعاة أن المنافسة ودخول علاجات فموية أرخص قد يضغطان على الأسعار، وهنا تبرز قاعدة بنجامين غراهام في كتاب «المستثمر الذكي» بشأن هامش الأمان؛ إذ لا ينبغي تسعير التآزر المحتمل بين الإستروجين ومسارات GLP-1 قبل إثباته سريريًّا.
أما خليجيًّا، فإن ارتفاع معدلات السمنة وتركيز رؤية السعودية 2030 على التحول الصحي والوقاية والتصنيع المحلي للأدوية الحيوية يفتحان المجال أمام الصناديق السيادية والشراكات الاستراتيجية لدعم الأبحاث المحلية والتعاون مع الشركات العالمية لتطوير بروتوكولات تناسب النساء في المنطقة، مع مراعاة اختلاف أنماط استخدام العلاج الهرموني ومستويات الوصول إلى الرعاية الصحية، وهذا يتسق مع توجيه رأس المال نحو الاقتصادين الرقمي والصحي بدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على الواردات.
السيناريوهات المقبلة
قد تقود هذه النتائج إلى تجارب سريرية مخصصة لاختبار التفاعل بين العلاج الهرموني وأدوية السمنة، بما يمهد لعلاجات موجهة أو إرشادات سريرية أكثر دقة، وفي السيناريو الإيجابي، يتحسن الاحتفاظ بالمرضى والنتائج القلبية الأيضية، بما يعزز القيمة طويلة الأمد للقطاع، أما السيناريو الحذر، فيتمثل في بقاء التأثير محدودًا على المبيعات الإجمالية، واستمرار التمايز بين الشركات وفق القدرة الإنتاجية والتسعير والوصول إلى الأسواق الناشئة.
في النهاية، أرى أن مستقبل الاستثمار في سوق السمنة لن يتحدد بحجم المبيعات وحده، بل بقدرة الشركات على فهم الاختلافات بين شرائح المرضى وتقديم بيانات حقيقية ومتنوعة ديموغرافيًّا، فالمستثمر الناجح هو مَن يقرأ المؤشرات الرصدية بوعي، ويميز بين الفرصة المثبتة والفرضية التي لا تزال تنتظر الدليل السريري.

