سامر شقير يكتب : وظائف أمريكا تهدد بعودة رفع الفائدة
قد لا تكون بيانات الوظائف الأمريكية المقبلة مجرد أرقام تكشف أداء سوق العمل، بل قد تتحول إلى نقطة فاصلة في اتجاه أسعار الفائدة وتدفقات الاستثمارات العالمية خلال عام 2026. فاستمرار قوة التوظيف بالتزامن مع بقاء التضخم مرتفعا قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة إضافية للعودة إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما سيعيد رسم حسابات المستثمرين والمؤسسات المالية بشأن تكلفة رأس المال والمخاطر والعوائد.
ووفقا لما نقلته بلومبرغ، يتوقع المحللون أن يرتفع عدد الوظائف الأمريكية المضافة خلال أكتوبر إلى نحو 65 ألف وظيفة، بما يزيد على ضعف مستوى الشهر السابق، مع استقرار معدل البطالة عند 4.2%. وأرى أن تحقق هذه التوقعات قد يعزز احتمالات استمرار التشديد النقدي خلال الأشهر المقبلة لمواجهة الضغوط التضخمية.
وتكتسب هذه البيانات أهمية إضافية مع توقع بقاء طلبات إعانة البطالة الأسبوعية بالقرب من أدنى مستوياتها منذ عقود، وانتظار تقرير الوظائف الشاغرة يوم الثلاثاء، الذي تشير التوقعات إلى ارتفاع طفيف في أعدادها خلال سبتمبر.
ويرى خبراء بلومبرغ إيكونوميكس أن سوق العمل الأمريكية تفقد زخمها تدريجيا، لكنها لم تصل إلى مرحلة الانهيار، مع استمرار محدودية عمليات التسريح. وهذا يعني أن صناع السياسة النقدية أمام سوق لا تزال متماسكة نسبيا، بما يمنح الاحتياطي الفيدرالي، برئاسة كيفن وورش، مساحة للتريث أو التشديد وفقا للبيانات المقبلة، بعد تثبيت الفائدة مؤخرا عند نطاق 3.75% إلى 4% عقب رفعها في سبتمبر.
ومن وجهة نظري، فإن قراءة هذه التطورات تتطلب الابتعاد عن ردود الفعل السريعة تجاه البيانات الشهرية. ويشير مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money إلى أن السلوك والانضباط يؤثران في القرارات المالية بقدر أكبر من الحسابات النظرية. لذلك، ينبغي للمستثمرين تقييم الصورة الاقتصادية الكاملة، وليس الاكتفاء برقم التوظيف وحده.
وتشمل هذه الصورة توقع ارتفاع الإنتاجية الأمريكية بنسبة 2.6% خلال الربع الثالث، واستمرار قوة نشاط التصنيع، إلى جانب زيادة الواردات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما يسهم في توسيع العجز التجاري. وأرى أن هذه المؤشرات تعكس نموا مدعوما بالتكنولوجيا، وقد تمنح الاقتصاد قدرة على تحمل معدلات فائدة مرتفعة دون تباطؤ حاد وفوري.
**إعادة توجيه رأس المال**
في تقديري، قد تدفع بيئة الفائدة المرتفعة لفترة أطول رؤوس الأموال المؤسسية نحو القطاعات الأكثر قدرة على تمرير التكاليف وتحقيق تدفقات نقدية مستقرة. وتبرز المؤسسات المالية ضمن القطاعات التي قد تستفيد من تحسن هوامش صافي الفائدة، إلى جانب الشركات التي لا تعتمد بصورة مفرطة على الاقتراض طويل الأجل.
في المقابل، تواجه العقارات التجارية والشركات ذات الرافعة المالية المرتفعة مخاطر أكبر مع ارتفاع تكلفة التمويل وعوائد السندات. كما أن قطاع الذكاء الاصطناعي، رغم استفادته من نمو الإنتاجية والطلب التكنولوجي، ليس بمنأى عن تأثير تشديد الأوضاع المالية وارتفاع تكلفة رأس المال.
وهنا تبرز أهمية مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، خصوصا أن التقييمات المرتفعة تحتاج إلى عوائد أكبر لتبرير المخاطر في بيئة نقدية أكثر تشددا.
**التداعيات على السعودية والخليج**
أما بالنسبة للاقتصاد السعودي والخليجي، فإن استمرار ارتفاع الفائدة الأمريكية قد يزيد تكلفة تمويل المشروعات الكبرى المرتبطة برؤية 2030، ويؤثر في تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة.
وفي المقابل، قد يدعم تماسك الطلب الأمريكي أسعار النفط، بما يوفر إيرادات إضافية تدعم مسارات التنويع الاقتصادي. وأرى أن صناديق الاستثمار مطالبة بالتركيز على الأصول عالية الجودة والديون قصيرة الأجل، مع مراقبة تأثير قوة الدولار المحتملة على أسعار الصرف والتدفقات الاستثمارية.
**سيناريوهات 2026**
إذا استمرت قوة سوق العمل وتحققت توقعات التوظيف، فقد يجد الفيدرالي مبررا لمواصلة التشديد التدريجي حتى تقترب معدلات التضخم من المستهدف، بما يعني استمرار تكلفة رأس المال المرتفعة لفترة أطول. أما إذا جاءت البيانات أضعف من المتوقع، فقد تتسع مساحة التريث النقدي.
ويحذر دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow من التحيز للأرقام البارزة على حساب فهم السياق الأوسع، وهو ما أراه درسا مهما للمستثمرين عند التعامل مع تقلبات الأسواق والبيانات الاقتصادية.
وأعتقد أن تخصيص رأس المال خلال 2026 يتطلب تقليص مدة محافظ الدخل الثابت، والاهتمام بالشركات ذات المزايا التنافسية المستدامة، وفقا للمفاهيم التي تناولها مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، إلى جانب بناء هوامش أمان تسمح بالتكيف مع ارتفاع تكلفة التمويل.
فالمرحلة المقبلة لا تتطلب الرهان على سيناريو نقدي واحد، بقدر ما تتطلب مرونة استثمارية قادرة على التعامل مع استمرار الفائدة المرتفعة أو عودة التيسير النقدي، وفقا لما ستكشفه البيانات الأمريكية القادمة.
