سامر شقير: النفط يقفز فوق 103 دولارات.. لكن الأسواق تتجاهل الخطر مؤقتًا
في لحظة تبدو متناقضة، عاد النفط ليقفز فوق مستوى 103 دولارات لخام برنت، بينما اختارت الأسواق العالمية أن تنظر في اتجاه مختلف تمامًا، فبدلًا من الذعر التقليدي الذي كان يصاحب أي صعود حاد في أسعار الطاقة، أغلقت وول ستريت على ارتفاعات طفيفة، في إشارة واضحة إلى أن المستثمرين باتوا يراهنون على قرارات البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي، أكثر من تركيزهم على التوترات الجيوسياسية.
البيانات تعكس هذا التوازن الدقيق فقد سجلت المؤشرات الأمريكية ارتفاعات محدودة، حيث صعد مؤشر داو جونز بنحو 0.10%، وارتفع S&P 500 بنسبة 0.25%، بينما قاد ناسداك المكاسب بزيادة 0.47%. هذه التحركات، رغم تواضعها، تحمل دلالة مهمة: السوق لم يعد يتعامل مع صدمات النفط بنفس الحساسية القديمة.
في المقابل، قفزت أسعار الطاقة بشكل لافت، حيث وصل خام برنت إلى نحو 103.4 دولارات مرتفعًا بأكثر من 3% خلال الجلسة، بينما اقترب خام غرب تكساس من 96.2 دولار، هذا الصعود جاء مدفوعًا بتصاعد التوترات في الخليج، خاصةً مع استمرار المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز، وهو ما أعاد تسعير المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
ورغم ذلك، لم نشهد موجة بيع واسعة في الأسهم، بل على العكس، تراجعت مؤشرات الخوف نسبيًّا، حيث استقر مؤشر التقلب VIX قرب مستوى 22، في إشارة إلى حالة "قلق محسوب" وليست حالة ذعر، كما تراجع مؤشر الدولار إلى حدود 99.6 نقطة، بالتزامن مع انخفاض عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.20%، وهو ما يعكس توجه المستثمرين لانتظار قرارات الفيدرالي بدلًا من اتخاذ مراكز دفاعية حادة.
في الأسواق الإقليمية، برزت مصر كأحد أبرز الرابحين، حيث قفز مؤشر EGX30 بنحو 1.92% في ارتداد قوي مدفوع بالقطاعين البنكي والعقاري، بينما تمكنت السوق السعودية من تحقيق صعود محدود يقارب 0.55% ليغلق قرب مستوى 10,946 نقطة، في آخر جلسة قبل إجازة العيد، ما يعكس حالة من التماسك رغم التوترات.
أما الذهب، فقد تحرك في نطاق أكثر هدوءًا، مستقرًا قرب مستويات 2200 دولار للأوقية، دون قفزات حادة، وهو ما يعزز فكرة أن الأسواق لم تدخل بعد في حالة "هروب جماعي نحو الأمان".
ما يحدث الآن يمكن تلخيصه ببساطة، الأسواق تراهن على أن الاحتياطي الفيدرالي قادر على احتواء صدمة النفط، أو على الأقل تأجيل آثارها، هذا الرهان يفسر لماذا تراجعت حساسية المستثمرين تجاه الأخبار الجيوسياسية، ولماذا لم يتحوَّل صعود النفط إلى موجة بيع واسعة في الأسهم.
لكن هذا التوازن يظل هشًّا فإذا استقرت أسعار النفط فوق مستوى 105 دولارات لفترة ممتدة، أو صدرت إشارات متشددة من الفيدرالي، فقد يتغير المشهد بسرعة، كذلك، أي تصعيد إضافي في الخليج قد يعيد الأسواق إلى وضع "رد الفعل العنيف" بدلًا من "التجاهل المؤقت".
الخلاصة التي أراها كمستثمر، السوق لا يتجاهل المخاطر، بل يؤجل التعامل معها، الجميع ينتظر إشارة واحدة من الفيدرالي لتحديد الاتجاه القادم، وفي مثل هذه اللحظات لا تكون الخطورة في الأخبار نفسها، بل في التوقيت الذي يقرر فيه السوق أخيرًا أن يستجيب لها.
