موقع هدف

الأرباح في زمن الفوضى.. كيف تُفكِّر صناديق التحوط عندما ترتبك الأسواق؟.. سامر شقير يُجيب

الأربعاء 11 مارس 2026 12:31 مـ 22 رمضان 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إنَّ التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق العالمية مؤخرًا، على خلفية التوترات الجيوسياسية مع إيران، أعادت تسليط الضوء على أهمية إدارة المخاطر في عالم الاستثمار.

وأوضح شقير، أنَّ صناديق تحوط عملاقة مثل Millennium Management تكبدت خسائر تُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار خلال أسبوع واحد، ما أدى إلى محو معظم أرباحها السنوية.

وأضاف شقير، أنَّ هذه التطورات تذكِّر المستثمرين بأن الاستثمار لا يقوم فقط على تحقيق الأرباح، بل يعتمد بشكل أساسي على القدرة على تحقيق التوازن بين العائد والمخاطر.

وأكَّد رائد الاستثمار، أنَّ أحد أهم الأدوات التي يستخدمها المستثمرون المحترفون لتقليل المخاطر يتمثل في فهم مفهوم الارتباط بين الأصول وتقليل تأثيره داخل المحافظ الاستثمارية.

ما هي صناديق التحوط ونموذج "البودز"؟

وأوضح سامر شقير، أنَّ صناديق التحوط (Hedge Funds) هي صناديق استثمارية تسعى إلى تحقيق عوائد إيجابية بغض النظر عن اتجاه السوق، سواء في حالات الصعود أو الهبوط.

وأضاف شقير، أنَّ هذه الصناديق تختلف عن الصناديق التقليدية التي تعتمد على شراء الأسهم فقط، إذ تستخدم أدوات مالية متقدمة مثل البيع على المكشوف والمشتقات المالية لإدارة المخاطر وتعزيز العوائد.

وأشار إلى أن العديد من أكبر الصناديق العالمية تعتمد نموذج "متعدد المديرين" المعروف باسم Pod Shops، حيث يتم تقسيم الصندوق إلى فرق مستقلة تُعرف بـ"البودز"، ويقود كل فريق مدير محفظة متخصص في استراتيجية معينة مثل الأسهم أو السندات أو السلع.

وبيَّن سامر شقير، أنَّ الهدف الأساسي من هذا النموذج هو تحقيق تنويع حقيقي عبر تقليل الارتباط بين الاستراتيجيات المختلفة، موضحًا أنَّ الارتباط يمثل مقياسًا لمدى تحرك أداء استراتيجيتين معًا، فإذا كان الارتباط مرتفعًا، كما يحدث غالبًا بين الصناديق التقليدية ومؤشر S&P 500، فإن الخسائر قد تحدث في الوقت نفسه، مما يضعف فائدة التنويع، أما عندما يكون الارتباط منخفضًا، فإن الصندوق يستطيع تحقيق عوائد أكثر استقرارًا مع تقلبات أقل.

تقليل الارتباط.. المفتاح الحقيقي للتنويع

وأكَّد سامر شقير، أنَّ الارتباط المرتفع يُعد "القاتل الخفي" للتنويع في المحافظ الاستثمارية، مضيفًا أنَّ الدراسات تشير إلى أنه حتى وجود ارتباط بنسبة 10% فقط بين عدة استراتيجيات يمكن أن يؤدي إلى انخفاض نسبة شارب – وهي مقياس العائد مقابل المخاطر – إلى النصف بعد احتساب التكاليف التشغيلية.

وأضاف شقير، أنَّ هذا الخطر يزداد خلال الأزمات المالية، حيث تميل الأصول المختلفة إلى التحرك في الاتجاه نفسه فيما يُعرف بظاهرة "إعادة الارتباط"، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وأشار سامر شقير، إلى أنَّ تقليل الارتباط لا يقتصر تأثيره على أداء المحافظ الاستثمارية فحسب، بل يساهم أيضًا في استقرار النظام المالي العالمي، فكلما كانت المحافظ الاستثمارية أكثر تنوعًا وأقل ارتباطًا، تقل احتمالات الانهيارات المتزامنة في الأسواق.

وأوضح شقير، أنَّ مثالًا على هذا النهج يمكن ملاحظته في استراتيجيات التنويع التي يتبعها Public Investment Fund في السعودية، حيث يعمل على توزيع استثماراته عبر قطاعات وأصول مختلفة بهدف تقليل الاعتماد على تقلبات النفط وتعزيز الاستقرار الاقتصادي ضمن رؤية 2030.

أمثلة اقتصادية توضِّح مفهوم التحوط والارتباط

وقال سامر شقير: إنَّ مفهوم التحوط وتقليل الارتباط يمكن فهمه من خلال عدة أمثلة عملية في الاقتصاد العالمي.

ففي المثال الزراعي الكلاسيكي، قد يلجأ مزارع القمح إلى استخدام العقود الآجلة لبيع محصوله مسبقًا بسعر ثابت، ما يضمن له الحماية من تقلبات الأسعار عند وقت الحصاد، في هذه الحالة، يعمل العقد الآجل كأداة تحوط تقلل من المخاطر المرتبطة بتغيرات الأسعار.

كما أشار شقير، إلى استراتيجية التداول المزدوج (Pairs Trading)، حيث يمكن للمتداول استغلال الارتباط العالي بين زوجي العملات مثل اليورو/الدولار والجنيه الإسترليني/الدولار لتحقيق أرباح من الاختلالات المؤقتة بينهما مع تقليل المخاطر الإجمالية للمحفظة.

وأضاف أن المستثمرين غالبًا ما يتجهون خلال الأزمات إلى الأصول الآمنة مثل الذهب أو السندات الحكومية، التي تميل إلى التحرك بعلاقة عكسية مع أسواق الأسهم، فعلى سبيل المثال، شهد الذهب ارتفاعًا ملحوظًا خلال أزمة جائحة كورونا في الوقت الذي تراجعت فيه العديد من الأسواق العالمية.

دروس من التاريخ المالي العالمي

وأشار سامر شقير، إلى أنَّ التاريخ المالي يقدم العديد من الأمثلة التي تؤكد أهمية فهم الارتباط بين الأصول، ففي الأزمة المالية العالمية عام 2008، ارتفعت درجة الارتباط بين معظم الأصول بشكل مفاجئ، ما أدى إلى خسائر ضخمة لعدد من المؤسسات الاستثمارية التي كانت تعتمد على تنويع غير حقيقي.

وفي المقابل، نجح المستثمر الشهير جورج سوروس" George Soros" في تحقيق أرباح ضخمة عام 1992 عندما راهن ضد الجنيه الإسترليني، مستفيدًا من التناقض بين سياسات بنك إنجلترا وظروف السوق.

وأضاف شقير، أنَّ التطورات الأخيرة في مارس 2026 أظهرت أيضًا أن بعض الصناديق متعددة المديرين تعرضت لخسائر نتيجة ارتفاع الارتباط خلال فترات الاضطراب الجيوسياسي، ما يؤكد أهمية استخدام أدوات تحليل متقدمة مثل خرائط الارتباط الحرارية لمراقبة المخاطر في الوقت الحقيقي.

روَّاد عالميون في إدارة صناديق التحوط

وأوضح سامر شقير، أنَّ هناك عددًا من كبار المستثمرين الذين نجحوا في بناء نماذج متقدمة لصناديق التحوط تعتمد على تقليل الارتباط بين الاستراتيجيات.

ومن أبرز هؤلاء المستثمرين:

Ken Griffin مؤسس شركة Citadel، التي تُعد من أكبر صناديق التحوط متعددة الاستراتيجيات في العالم.

Steve Cohen مؤسس Point72 Asset Management، الذي يعتمد على استراتيجيات محايدة السوق لتحقيق عوائد مستقلة عن اتجاه الأسواق.

Israel Englander مؤسس Millennium Management، الذي طور نموذج "البودز" لتوزيع المخاطر عبر فرق استثمارية مستقلة.

مستقبل الاستثمار.. الذكاء الاصطناعي وترميز الأصول

وفي ختام البيان، قال رائد الاستثمار سامر شقير: إنَّ تقليل الارتباط بين الاستراتيجيات الاستثمارية لم يعد مجرد تقنية مالية، بل أصبح عنصرًا أساسيًّا في بناء محافظ استثمارية قادرة على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية العالمية.

وأضاف أن التطورات التكنولوجية الحديثة، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات المالية وترميز الأصول الواقعية (RWA)، ستفتح آفاقًا جديدة أمام المستثمرين لبناء محافظ أكثر ذكاءً وتنوعًا.

وأكَّد شقير، أنَّ المستثمرين في العالم العربي والسعودية على وجه الخصوص أمام فرصة مهمة للاستفادة من هذه المفاهيم المتقدمة في إدارة الأصول، مشيرًا إلى أن المستقبل سيكافئ المستثمرين القادرين على إعادة هندسة محافظهم الاستثمارية بطرق مبتكرة تعتمد على العلم والتحليل العميق للمخاطر.