ضخ 16 مليار دولار من الفيدرالي.. سامر شقير يشرح تأثير السيولة الأمريكية على الأسواق العالمية
أثار إعلان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ضخ سيولة بقيمة 16 مليار دولار عبر شراء سندات الخزانة قصيرة الأجل اهتمامًا واسعًا في الأوساط المالية العالمية، وسط تساؤلات حول التداعيات المحتملة لهذه الخطوة على الأسواق الدولية واتجاهات الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
وفي قراءة اقتصادية لهذا القرار، قال رائد الاستثمار سامر شقير إن هذا الإجراء لا يمكن اعتباره خطوة تقنية عابرة، بل يعكس تحركًا نقديًا يحمل دلالات أعمق تتعلق باستقرار النظام المالي العالمي وإدارة السيولة في ظل بيئة اقتصادية معقدة.
وأوضح شقير أن البنوك المركزية الكبرى تلعب دورًا محوريًا في توجيه حركة الأسواق، وأن القرارات الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي غالبًا ما تتجاوز حدود الاقتصاد الأمريكي لتؤثر في مختلف الاقتصادات العالمية، بما في ذلك الأسواق الناشئة ودول الخليج.
وأضاف أن المستثمرين يطرحون اليوم سؤالًا رئيسيًا يتمثل في ما إذا كانت هذه السيولة قادرة على تحفيز انتعاش اقتصادي حقيقي ومستدام، أم أنها تمثل مجرد أداة مؤقتة لتخفيف الضغوط التي تواجه الأسواق المالية العالمية.
السيولة النقدية وتأثيرها على حركة الأسواق
أشار شقير إلى أن ضخ السيولة من قبل البنوك المركزية يعد من أكثر الأدوات تأثيرًا في توجيه الأسواق المالية، إذ يمكن لهذه السياسات النقدية أن تحرك أسعار الأصول بسرعة كبيرة.
وأوضح أن ضخ 16 مليار دولار في الأسواق خلال مارس 2026 يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة هذه السيولة على دعم صعود الأسهم والأصول الرقمية أو كشف نقاط الضعف الكامنة في النظام المالي العالمي.
وأكد أن مثل هذه الإجراءات توفر فرصًا استثمارية محتملة، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على مخاطر مرتبطة بتقلبات الأسواق واحتمال تشكل فقاعات مالية في بعض القطاعات.
أهمية القرار بالنسبة للمستثمرين
يرى شقير أن متابعة قرارات البنوك المركزية لم تعد مجرد اهتمام نظري للمحللين الاقتصاديين، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا لأي مستثمر يسعى لفهم اتجاهات الأسواق.
وأوضح أن السياسات النقدية التي يتبناها الاحتياطي الفيدرالي تؤثر بشكل مباشر في تكلفة التمويل وحركة رؤوس الأموال العالمية، وهو ما ينعكس بدوره على أداء أسواق الأسهم والعملات والسلع.
وأضاف أن زيادة عمليات البحث عن مصطلحات مثل حقن السيولة وتأثير الفيدرالي على الأسواق الناشئة تعكس ارتفاع مستوى الوعي لدى المستثمرين بأهمية هذه القرارات في تحديد المسار الاقتصادي العالمي.
دروس من تجارب السيولة السابقة
استعرض شقير عددًا من التجارب التاريخية التي استخدم فيها الاحتياطي الفيدرالي سياسة ضخ السيولة لدعم الاقتصاد الأمريكي.
وأوضح أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 دفعت الفيدرالي إلى إطلاق برنامج التسهيل الكمي وضخ أكثر من 800 مليار دولار في الأسواق بعد انهيار بنك ليمان براذرز، وهو ما ساهم في استقرار الأسواق لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف بشأن التضخم.
كما أشار إلى أن جائحة كوفيد 19 في عام 2020 شهدت تدخلًا أكبر من البنك المركزي الأمريكي، حيث تم ضخ أكثر من 3 تريليونات دولار لدعم الاقتصاد، وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الأسهم والعملات الرقمية مثل البيتكوين، لكنه ترافق أيضًا مع ارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم.
وأضاف أن أزمة السيولة في عام 2019 دفعت الفيدرالي إلى ضخ نحو 75 مليار دولار يوميًا عبر عمليات الريبو من أجل استقرار الأسواق المالية ومنع حدوث ركود اقتصادي.
وأكد أن القاسم المشترك بين هذه الحالات يتمثل في أن الأسواق غالبًا ما تشهد ارتفاعات على المدى القصير بعد ضخ السيولة، لكنها قد تتعرض لاحقًا لتصحيحات نتيجة الضغوط التضخمية أو تغير السياسات النقدية.
فرص ومخاطر أمام الأسواق العالمية
أوضح شقير أن عمليات شراء سندات الخزانة قصيرة الأجل تأتي ضمن استراتيجية للحفاظ على مستويات مرتفعة من السيولة داخل النظام المالي بعد إنهاء سياسة التشديد الكمي في نهاية عام 2025.
وأشار إلى أن زيادة السيولة قد تدعم ارتفاع أسعار الأسهم والعملات الرقمية، مع إمكانية صعود البيتكوين بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المئة على المدى القصير.
كما يمكن أن يؤدي انخفاض تكاليف الاقتراض الناتج عن وفرة السيولة إلى تحفيز الاستثمار في الأصول ذات المخاطر المرتفعة، وهو ما قد يدعم النمو الاقتصادي الأمريكي خلال عام 2026.
في المقابل حذر شقير من أن ضخ السيولة دون نمو اقتصادي فعلي قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى العودة لرفع أسعار الفائدة في المستقبل.
انعكاسات القرار على الاقتصاد السعودي
فيما يتعلق بتأثير هذه السياسات على الاقتصاد السعودي، أوضح شقير أن زيادة السيولة في الولايات المتحدة قد تسهم في خفض تكاليف الاقتراض عالميًا، ما قد يعزز الاستثمارات المرتبطة بمشروعات رؤية السعودية 2030.
وأضاف أن تحسن النشاط الاقتصادي العالمي قد يدعم الطلب على النفط، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 80 و90 دولارًا للبرميل، الأمر الذي قد يعزز الإيرادات النفطية للمملكة.
لكن شقير أشار في الوقت نفسه إلى احتمال توجه بعض رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية في حال ارتفاع عوائد السندات، وهو ما قد يضغط على السيولة في الأسواق الناشئة ويؤثر على معدلات النمو الاقتصادي.
بداية مرحلة اقتصادية جديدة
واختتم سامر شقير تحليله بالتأكيد على أن ضخ 16 مليار دولار يمثل خطوة مهمة في مسار السياسة النقدية الأمريكية، لكنه لا يشكل نهاية للتحديات الاقتصادية التي يواجهها العالم.
وأوضح أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات جديدة في النظام المالي العالمي، ما يتطلب من المستثمرين في العالم العربي متابعة هذه التطورات بدقة واتخاذ قرارات استثمارية مدروسة.
وأكد أن وفرة السيولة قد تفتح فرصًا استثمارية واعدة، لكنها تتطلب في الوقت ذاته قدرًا كبيرًا من الحذر والانضباط في إدارة المحافظ المالية في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
