سامر شقير: الأسواق تلتقط أنفاسها بعد الحرب الإيرانية لكن بوصلة الاتجاه لا تزال تشير إلى النفط
شهدت الأسواق العالمية جلسة مفصلية أعادت ترتيب الأولويات لدى المستثمرين، حيث استردت المؤشرات أنفاسها مؤقتًا، لكن الاتجاه العام ما يزال مدفوعًا بعامل واحد رئيسي هو النفط، والرسالة الأساسية واضحة: الهدوء الذي رأيناه ليس تحوُّلًا استراتيجيًّا في المسار، بل ارتدادًا تكتيكيًّا فرضته تطورات دبلوماسية وأمنية مؤقتة، في ظل استمرار التوتر الجيوسياسي وتنامي المخاطر التضخمية المرتبطة بالطاقة.
وفي هذا السياق، قال رائد الاستثمار سامر شقير، إنَّ الأحداث في الشرق الأوسط، والمتمثلة في الضربات الأمريكية - الإسرائيلية على إيران وما تبعها من ردود إيرانية وتوسع في نطاق التوتر ليشمل لبنان والخليج، أحدثت اضطرابًا في إمدادات النفط وأشعلت موجة قلق تضخمي عالمية، غير أن تقارير عن إمكانية حوار دبلوماسي، إلى جانب تعهدات أمريكية بتأمين تدفق النفط عبر مضيق هرمز من خلال حراسة بحرية وتأمين مخاطر الشحن، منحت الأسواق الغربية جرعة من الطمأنينة، انعكست سريعًا على شاشات التداول، ولكن في المقابل، دفعت الاقتصادات الآسيوية – الأكثر اعتمادًا على نفط الشرق الأوسط – ثمنًا باهظًا.
وأضاف سامر شقير في بيان له، أنه في الولايات المتحدة، أغلقت المؤشرات الرئيسية على مكاسب؛ إذ أنهى مؤشر داو جونز الصناعي جلسة اليوم عند 48,738.98 نقطة مرتفعًا 0.49%، بينما صعد إس آند بي 500 إلى 6,869.46 نقطة بنسبة 0.78%، وقفز ناسداك إلى 22,807.48 نقطة بنسبة 1.29%.
وأوضح شقير، أنَّ هذا الصعود قادته أسهم التكنولوجيا التي كانت قد تعرضت لعمليات بيع مكثفة في فبراير، ما جعل تقييماتها أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن فرص ارتداد، ورغم تراجع بعض أسهم الطاقة، فإن السوق ككل استجاب لفكرة أن اضطراب النفط قد يكون تحت السيطرة مؤقتًا وما شهدناه في وول ستريت هو شراء للأمل، وليس شراءً لليقين.
وأشار رائد الاستثمار، إلى أنه في كندا، أغلق مؤشر إس آند بي/تي إس إكس عند 33,942.86 نقطة مرتفعًا 0.5%، مدفوعًا بأسهم التكنولوجيا التي صعدت بنحو 2.2%، إضافة إلى قطاع المواد الذي استفاد من ارتفاع الذهب، والسوق الكندي بطبيعته حساس لتحركات النفط، إلا أن التهدئة العالمية المؤقتة خففت من حدة القلق، وأعادت بعض الشهية للمخاطرة، خصوصًا في الشركات ذات الانكشاف الدولي.
وتابع شقير: "أما في أوروبا، فقد سجل مؤشر ستوكس 600 ارتفاعًا بنسبة 1.4% في أكبر مكسب يومي منذ مايو، فيما صعد مؤشر داكس الألماني بنحو 1.7%، البنوك كانت في طليعة الرابحين مع مكاسب تجاوزت 2.3%، تلتها أسهم السفر والترفيه والتكنولوجيا، أوروبا، التي تعتمد جزئيًّا على تدفقات الطاقة عبر هرمز، التقطت بسرعة إشارات الحوار المحتمل، فاندفع المشترون لاقتناص الأسهم بعد موجة بيع حادة في الجلسات السابقة، لكن علينا أن نتذكر أن أي تعثر في المسار الدبلوماسي قد يعيد هذه المكاسب إلى نقطة الصفر".
أسوأ أيام كوريا الجنوبية
وأكَّد سامر شقير، أنَّ المشهد كان مغايرًا تمامًا في آسيا، ومؤشر كوسبي الكوري الجنوبي انهار إلى 5,093.54 نقطة منخفضًا 12.06%، في أسوأ يوم بتاريخ السوق، مع تفعيل آليات إيقاف التداول مؤقتًا، كوريا الجنوبية تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 70% من وارداتها النفطية، ما جعل الصدمة أشبه بإجهاد ميزانية وطنية أكثر منه تصحيحًا عاديًّا في سوق الأسهم، لافتًا إلى أن العملة الكورية تراجعت إلى ما دون 1500 وون مقابل الدولار قبل أن تشهد بعض الارتداد وكذلك تراجعت مؤشرات اليابان وتايوان بنحو 4% تقريبًا، في انعكاس مباشر لمخاوف تكلفة الطاقة على الشركات الصناعية والمصدّرة.
التأثير الاقتصادي لحرب إيران على مصر
وقال سامر شقير: إنَّ في مصر، أغلق مؤشر إي جي إكس 30 عند 46,452.14 نقطة منخفضًا 0.59%، في تراجع طفيف لكنه دال، فمصر مستورد صافٍ للطاقة، وأي ارتفاع مستدام في أسعار النفط يترجم سريعًا إلى ضغوط تضخمية وتحديات على مستوى السيولة والاستهلاك، كما أنَّ
الأسواق الناشئة بطبيعتها تتأثر بخروج التدفقات نحو الأصول الآمنة وصناديق السوق النقدي ومن المهم مراقبة أداء القطاع المصرفي والاستهلاكي في الجلسات المقبلة، إذ سيكونان الأكثر حساسية لتكلفة التمويل وتغيرات الطلب.
وأشار شقير، إلى أنَّ سوق النفط، استقر خام برنت عند 81.40 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025، مع تداولات تشير في اليوم التالي إلى اقتراب الأسعار من 82 دولارًا، رغم التعطلات الجزئية في الإمدادات، فإن إجراءات التأمين والحراسة البحرية الأمريكية هدأت المخاوف الفورية، لكن السيناريو الصعودي ما يزال قائمًا، إذ تشير تقديرات بعض بيوت الخبرة إلى إمكانية وصول الأسعار إلى 100 دولار إذا طال أمد أي إغلاق فعلي في مضيق هرمز.
الذهب الملاذ الآمن
وبيَّن شقير، أنَّ الذهب - كعادته - لعب دور الملاذ الآمن، فارتفع بنحو 1% بعد أن كان قد تراجع مؤقتًا نتيجة بيع لتغطية مراكز وخسائر في أسواق أخرى، بعض المعادن الثمينة سجلت مكاسب وصلت إلى 3%، في المقابل، ارتفعت عوائد السندات الأمريكية، ما أدى إلى تسطيح منحنى العائد، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تُسعِّر احتمالات تضخم أعلى واستجابة نقدية أكثر حذرًا من البنوك المركزية، التي لا ترغب في تكرار خطأ عام 2022 حين اعتُبر التضخم "مؤقتًا".
وأكد سامر شقير، أن التدفقات النقدية كانت لافتة، مع توجه ملحوظ نحو صناديق السوق النقدية وفي أوقات الضبابية، يصبح النقد ملكًا، وتتحول السيولة إلى ملاذ بحد ذاته، هذه التحركات تعكس عقلية دفاعية لدى المستثمرين، تنتظر وضوحًا أكبر قبل إعادة بناء مراكز طويلة الأجل في الأصول عالية المخاطر.
وتوقع شقير، أنه خلال الـ24 إلى 72 ساعة المقبلة، سنرى ثلاثة سيناريوهات رئيسية: السيناريو الأساسي، بنسبة ترجيح تقارب 55%، يتمثل في بقاء النفط مرتفعًا لكن مستقر نسبيًّا، مع ارتداد محدود في الأسهم وتقلبات في العملات.
وأضاف شقير، أنَّ السيناريو الإيجابي، بنسبة 20%، يفترض تحول الإشارات الدبلوماسية إلى مسار حوار فعلي وتأمين مستدام للإمدادات، ما قد يفتح الباب لموجة صعود أوسع، أما السيناريو السلبي، بنسبة 25%، فيتمثل في تجدد الاضطرابات أو توسعها، بما يُعيد اختبار القيعان الأخيرة وربما يكسرها.
الخلاصة
أوضح شقير، أنَّ ما شهدناه هو هدنة مؤقتة في معركة تقودها أسعار الطاقة، الاتجاه العام لا يزال رهينة النفط، والتضخم الناتج عنه يُشكِّل التهديد الأكبر لاستقرار الأسواق، المطلوب من المستثمر اليوم ليس الاندفاع خلف ارتداد قصير الأجل، بل قراءة عميقة لمعادلة المخاطر، وإدارة سيولة منضبطة، وانتقاء أصول قادرة على الصمود في بيئة تتغيَّر بسرعة، الأسواق قد تشتري الوقت، لكنها لا تشتري اليقين، واليقين لن يأتي إلا من استقرار جيوسياسي حقيقي ومستدام
