من واشنطن إلى تاسي.. كيف تؤثر ”تعرفة الـ10%” على المحفظة السعودية؟
تخيل الأسواق العالمية مثل مدينة استيقظت على خبرٍ أثلج الصدور: المحكمة العليا الأمريكية توقف "سلاح التعرفة" الذي فرض تحت قانون الطوارئ، تنفس المستثمرون الصعداء، وظن الجميع أن العاصفة انجلت.
لكن، وقبل أن يبرد الخبر، عاد نفس السلاح ليظهر من جديد من "الباب الخلفي"، وبمسمى قانوني مختلف: تعرفة 10% عالمية لمدة 150 يومًا عبر المادة 122 من قانون التجارة، لتبدأ فعليًّا خلال أيام.
هذا الضجيج القادم من واشنطن ليس بعيدًا عن أروقة "تاسي" في الرياض، فالمستثمر المحلي اليوم لا يراقب الشاشات الخضراء والحمراء فقط، بل يراقب تحولات القوانين التجارية في البيت الأبيض، لأنها ببساطة تُعيد رسم "هيكل التكاليف" و"علاوات المخاطر" في محفظته.
لوحة المؤشرات.. ماذا تقول لنا الأرقام؟
بالنظر إلى إغلاقات الجمعة 20 فبراير 2026، نجد أنَّ الأسواق لم تنخدع بالهدوء المؤقت:
النفط.. علاوة مخاطر أم حركة عابرة؟
برنت استقر عند $71.76 وWTI عند $66.39. المكاسب الأسبوعية تجاوزت 5%، ورغم أن الأنباء الأخيرة تشير إلى احتمال استثناء قطاع الطاقة من التعرفات الجديدة، إلا أن السوق لا تزال تحمل "علاوة خوف" جيوسياسية، خاصةً مع حساسية مضيق هرمز.
الذهب.. درع اليقين
صعود المعدن الأصفر فوق مستويات $5,070 ليس مجرد تحوط من التضخم، بل هو تحوط من "عدم اليقين" المركب.
كندا (TSX) كمختبر قياس
ارتفاع المؤشر الكندي بنسبة 2.25% أسبوعيًّا يعكس حساسية عالية لمزاج المخاطرة العالمي وسلاسل الإمداد العابرة للحدود.
قراء "الشارت" بلسان استثماري سعودي
عندما نحلل هذه المعطيات، علينا طرح ثلاثة أسئلة جوهرية تُحدِّد مسار محفظتك في "تاسي":
1. صمود النفط والاستثناءات المرتقبة
إغلاق برنت القوي يعني أن السوق تُسعِّر مخاطر حقيقية، بالنسبة للمستثمر في السعودية، فإن استثناء الطاقة من التعرفات (كما تشير مسودات القرار) هو بمثابة "طوق نجاة" لشركات الطاقة الكبرى كأرامكو.
لكن الحذر مطلوب في قطاع البتروكيماويات؛ فإذا ارتفع اللقيم (بسبب قوة الخام) ولم ترتفع أسعار المنتجات النهائية عالميًّا بسبب تباطؤ التجارة، ستنضغط الهوامش الربحية لا محالة.
2. مَن يقود السوق.. "القلة" أم "الكل"؟
نحن أمام حالة من (Dispersion) أو تشتت القيادة، عندما يربح سهمان أو ثلاثة في قطاع التقنية بينما يتردد الباقي، تصبح السوق هشة، في "تاسي"، هذا يفرض عليك الانتقاء الذكي:
البنوك: إذا استقرت العوائد وبقي الريال قويًا مع الدولار.
اللوجستيات والمواني: مع توجُّه العالم لحماية سلاسل الإمداد، تبرز شركات الخدمات اللوجستية السعودية كفرصة (مستفيدة من موقع المملكة الاستراتيجي الذي يعززه منتدى سلاسل الإمداد العالمي القادم في الرياض).
3. لماذا ارتفع الدولار رغم "تثبيت" الفائدة؟
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن التفسير المالي بسيط، السوق تُسعِّر "المسار والمخاطر"، مزيج (نمو يضعف + تضخم قد يعود بسبب التعرفات + توترات ترفع النفط) يدفع المستثمر للاحتماء بالدولار (وبالتالي الريال) وبالذهب معًا.
هذا الخليط هو ما يجعل السيولة تتدفق للملاذات الآمنة حتى مع تثبيت الفائدة.
خارطة طريق للمستثمر السعودي (Checklist الاثنين)
قبل بدء تداولات الاثنين، ضع هذه النقاط أمامك:
تفاصيل الاستثناءات: تأكَّد من شمول قطاعات الطاقة والبتروكيماويات السعودية بالاستثناء من تعرفة الـ10%.
قوة الدولار: استمرارها يضغط على الأسواق الناشئة، لكنه يدعم القوة الشرائية للاستثمارات المقومة بالريال.
ثبات النفط: هل سيحافظ برنت على نطاق 71-72 دولار؟
بريق الذهب: بقاؤه قويًا يعني أن الخوف لا يزال هو المحرك.
الصناعات المحلية: راقب الشركات التي توفر "بدائل الاستيراد"؛ فهي المستفيد الأكبر من أي حرب تجارية عالمية.
قاعدة الذهب: لا تبنِ قرارك على جلسة واحدة؛ فالأخبار في بدايتها مضللة، والقرار الصحيح يحتاج يومين من التأكيد.
السوق لا تُسعِّر خبرًا معزولًا، بل تُسعِّر "سلسلة مخاطر مترابطة"، من واشنطن إلى الرياض، تظل القاعدة واحدة: الفوز حليف المستثمر الذي يقرأ "السياسة بين السطور" ويحول الضجيج القانوني إلى قرارات مالية رصينة.
