الإثنين 17 يونيو 2024 مـ 03:58 مـ 10 ذو الحجة 1445 هـ
موقع هدف
موقع هدف
موقع هدف
موقع هدف
رئيس مجلس الأمناء مجدي صادقرئيس التحرير محمود معروفأمين الصندوق عادل حسين

«الأرتيست» زينات صدقى.. عينى علينا يا أهل الفن

جانب من العرض المسرحى «الأرتيست»
جانب من العرض المسرحى «الأرتيست»

لكل إنسان حلم يسعى لتحقيقه، والأحلام أنواع، فهناك أحلام تنمو وتكبر فى داخلنا منذ الطفولة، وهناك أحلام تتبدل طبقًا للظرفية، وأحلام هى الحياة أو الموت لصاحبها، خاصة حلم الفن والتمثيل.

فالفنان/ الأرتيست يسير وراء حلمه مهما كانت صعوبة الطريق، حاملًا قنديل موهبته وإيمانه فى داخله، وإيمان الصادقين به لينير له الدرب، فيمر بلحظات توهج وسطوع ولحظات خفوت.

الصادقون المؤمنون بالفن من الموهوبين يعتبرونه إكسير الحياة لهم، ولا يتخيلون الحياة بدونه، فهو فى اعتقادى بالنسبة لهم رحلة بحث من الفنان عن ذاته، رحلة يدفع فى مقابلها من عمره وصحته ومصيره غير المعلوم، لكنه يحصل خلالها على جائزته اليومية من تصفيق الجمهور له أو كلمة إعجاب فى حقه.

هذا «الأرتيست»، الذى ما زال المجتمع ينظر له باعتباره «المشخصاتى» الذى يعمل فى مجال «أقل مرتبة أخلاقيًا ومهنيًا»، هو ما استرعى انتباه العرض المسرحى «الأرتيست»، الذى يُقدم حاليًا على مسرح الهناجر للفنون، من تأليف وإخراج محمد زكى.

منذ البداية، وعلى خلفية مونولوج إسماعيل يس «عينى علينا يا أهل الفن»، يؤهلنا المخرج للحالة، ويأخذنا فى رحلته الفنية وزمن الفن الجميل، مُسلطًا الضوء على حياة الفنانة زينات صدقى، التى تستقبل مكالمة تليفونية تخبرها بتكريم «أهل الفن» لها، فتبدأ رحلة البحث عن فستان ترتديه عند ذهابها، ومن خلال خزانة الملابس/خزانة الذكريات فى منزلها تمر أمامنا رحلة أضوائها وشقائها. فالمنزل مقسم إلى ٣ مناطق فى عمق المسرح، يمينًا غرفة نوم «زينات» وهى صغيرة فى منزل أهلها، حيث نراها وهى ابنة الخامسة عشرة، وقرار زواجها بطبيب، وتعنت الأهل فى قبول الزيجة، ورفضهم فكرة التمثيل باعتبارها مهنة تجلب العار والفضيحة، بينما يسار المسرح غرفة الترزى «فاسيلى»، وجسّده أحمد الجوهرى، والذى هجرته الفنانات حين صرن مشهورات، ما عدا زينات صدقى.

وعلى يمين المسرح كرسى هزاز وتلفاز وراديو قديم، وعلى يسار المسرح صالون مدهب وبعض الصور لـ«زينات» مُعلقة على جدران المنزل، وصورة تجمعها بصديقتها «خيرية». استخدم المخرج «الفلاش باك» ليتنقل بنا فى تجسيد رحلة معاناة زينات صدقى، بداية من الأهل ومحاربتهم حلمها بالعمل فى التمثيل، حتى زوجها الذى طلّقها لأنها تعمل بالتمثيل وليست متفرغة له، والتبرؤ منها من قِبل الأهل وكأنها ارتكبت جريمة تعاقب عليها، وعلاقتها بصديقتها ورفيقة دربها «خيرية»، التى تشاركها حلمها بالعمل معهًا فى مجال التمثيل، وتربيتها ابنى أخيها «سيد»، وهما «طارق» و«عزة»، اللذان اتخذا منها أمًا لهما بعد وفاة والدتهما.

وعبر تلك الأحداث يضع الكاتب والمخرج يده على تلك اللحظات الإنسانية التى يمر بها الفنان، خاصة تلك التى يمر بها بعد أن فقد نجوميته، حتى نرى زينات صدقى لا تملك فستانًا، ولا تستطيع تحمل تكلفة شراء فستان لتذهب به إلى تكريمها.

إنه ضرب من الجنون أن يؤول الحال بها إلى ذلك، لكنها تقتنع بأن تذهب بملابسها القديمة، يلهمها صوت صديقتها «خيرية»، التى رحلت عن دنيانا، لكنها تستحضر صوتها وكأنه صوتها الداخلى الذى تشحذ به قوتها. لقد أبدع المخرج فى اختيار عناصر العرض المسرحى، بداية من اختياراته الممثلين، فجاءت وكأنها مفصلة على مقاس كل شخصية، خاصة الفنانة هايدى عبدالخالق لتجسيد شخصية زينات صدقى، فهى الخيار المثالى، ويمكنك القول إنها «زينات»، فالشخصية تتلبسها وهى تتلبس الشخصية.

استطاعت «هايدى» إبهارك فى تجسيد «زينات»، بدءًا من الشكل والمواصفات الخارجية، مرورًا بالكوميديا وخفة الظل الربانية، والطبقة الصوتية التى تجعلك تعتقد أنك تسمع صوت زينات صدقى، وحتى لون العينين والمكياج، ورشاقة الأداء التمثيلى بين المراحل العمرية المختلفة للشخصية من الصغر إلى الكبر. وجسّدت الفنانة فاطمة عادل دور «خيرية» بخفة ورشاقة، وهى ممثلة تمتلك أدواتها مثلما تملك صوتًا عذبًا. كما أن الأب، الذى قدمه الفنان ياسر أبوالعينين كان مناسبًا جدًا لطبيعة الشخصية المتسلطة، والذى لا توجد لديه مساحة للمناقشة.

وأجاد الممثل أحمد الجوهرى فى أداء دور الترزى «فاسيلى»، وكذلك أجاد باقى الممثلين الذين أدوا أدوار «طارق» و«عزة» و«وردة»، إلى جانب الأم و«السفرجى» والخادمة والزوج والأخ.

بينما جاء «الديكور» واقعيًا ومناسبًا للأحداث، واستغل مهندسه، فادى فوكيه، خشبة المسرح وأمامها بشكل جيد جدًا. كما أن الإضاءة لـ«أبوبكر الشريف» جرى توظيفها دراميًا وجماليًا بشكل جيد ويلائم الأحداث الدرامية. كذلك جاءت الملابس للثنائى أميرة صابر ومحمد ريان معبرة ومناسبة للفترة الزمنية لجميع الممثلين.

لقد استمتعت بكل لحظة داخل العرض المسرحى، ضحكت وتأثرت من قلبى، خاصة عندما أنهى المخرج العرض رابطًا المتخيل بالواقع، من خلال صوت فيديو مسجل لـ«زينات صدقى» فى لقاء معها، وجهت خلاله كلمة لأسرتها قالتها بمرارة: «اللهم انصر الفنانين على أهاليهم الذين لا يعترفون بالفن».